ابراهيم بن عمر البقاعي
313
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
فرده إلى رفاعة ، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين ، فنزل على سلافة بنت سعد بن سمية ، فأنزل اللّه سبحانه وتعالى وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ إلى قوله : ضَلالًا بَعِيداً » « 1 » وروى الحديث ابن إسحاق في السيرة وزاد : إن حسانا قال في نزوله عندها أبياتا فطردته ، فلحق بالطائف فدخل بيتا ليسرق منه ، فوقع عليه فمات ، فقالت قريش : واللّه ما يفارق محمدا من أصحابه أحد فيه خير . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 107 إلى 111 ] وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً ( 107 ) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ( 108 ) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ( 109 ) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً ( 110 ) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 111 ) ولما نهاه عن الخصام لمطلق الخائن ، وهو من وقعت منه خيانة ما ؛ أتبعه النهي عن المجادلة عمن تعمد الخيانة فقال سبحانه وتعالى : وَلا تُجادِلْ أي في وقت ما عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أي يتجدد منهم تعمد أن يخونوا أَنْفُسَهُمْ بأن يوقعوها في الهلكة بالعصيان فيما اؤتمنوا عليه من الأمور الخفية ، والتعبير بالجمع - مع أن الذي نزلت فيه الآية واحد - للتعميم وتهديد من أعانه من قومه ، ويجوز أن يكون أشار بصيغة الافتعال إلى أن الخيانة لا تقع إلا مكررة ، فإنه يعزم عليها أولا ثم يفعلها ، فأدنى ذلك أن يكون قد خان من نفسه مرتين ، قال الإمام ما معناه أن التهديد في هذه الآية عظيم جدا ، وذلك أنه سبحانه وتعالى عاتب خير الخلق عنده وأكرمهم لديه هذه المعاتبة وما فعل إلا الحق في الظاهر ، فكيف بمن يعلم الباطن ويساعد أهل الباطل ؟ فكيف إن كان بغيرهم ؟ ثم أشار سبحانه وتعالى إلى أن من خان غيره كان مبالغا في الخيانة بالعزم وخيانة الغير المستلزمة لخيانة النفس فلذا ختمت بالتعليل بقوله : إِنَّ اللَّهَ أي الجليل العظيم ذا الجلال والإكرام لا يُحِبُّ أي لا يكرم مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً بصيغتي المبالغة - على أن مراتب المبالغين في الخيانة متفاوتة ، وفيه مع هذا استعطاف لمن وقعت منه الخيانة مرة واحدة وقدم سبحانه وتعالى ذلك ، لأن فيه دفعا للضر عن البريء وجلبا للنفع إليه ؛ ثم أتبعه بعيب هذا الخائن وقلة تأمله والإعلام بأن المجادلة عنه قليلة
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي 3036 في كتاب التفسير مطوّلا من حديث قتادة بن النعمان وقال الترمذي : هذا حديث غريب لا نعلم أحدا أسنده غير محمد بن سلمة الحرّانيّ .